الأحد، نوفمبر 13، 2011

أبوة ٌ متأخرة ..

    أبوة ٌ متأخرة ..



استيقظتُ على صوتِ صراخ أمي وأبي أقصد ُجدالهم المتكرر الذي اعتدنا على سماعة مرارا ً وتكرارا ً،فتحتُ باب غرفتي وذهبت لأشرب كوباً من الماء ومررت على أمي وأبي وهم مازالوا في جدالهم العقيم الذي لا يجدي نفعا ًوفي طريقي نادتني أمي وقالت: نورة تعالي اقنعي أباك ، نظرت إليهم بنظرة ٍ باردة لا تحتوي على  أي مشاعر وذهبت لغرفتي وأغلقت الباب من خلفي وكأن العالم الخارجي لا يعنيني وكأنهم ليسوا بأهلي، دقائق قليلة تصعدُ أمي  لتصرخ علي بعد أن ملت من أبي ومن لا مبالاته ، وأنا لا ألوم أمي لصراخها علي، لأنها متوترة وتريد أن تفرغ غضبها على أي مخلوق ولسوء حظي أن هذا المخلوق هو أنا..

وبعد أن تصرخ أمي تأخذنني إلى أحضانها لتعبرَ أنها ليست قادرة على أن تعيش مع أبي وأن َصُراخها علي ليس لشيء ٍ ما بل لتُزيح تلك الغمامة التي عليها وتستريح من كل شي ..

يمرُ الوقت سريعاً ويعود أخي للمنزل، ذلك الضيف المقيم في فندق مسبوق الدفع مدى الحياة ، ليأكل وينام ويذهب فقط لا وجود له، وأحيانا ً كثيرة كنا لا نراه إلا بالأشهر، نظرت لأخي الذي يعيش عالمة لا يكترث لشيء سوى كم من الأصدقاء والصديقات لديه ، نسينا أو بالأحرى تناسانا وبعُدَ عنا وعن أبي وأوامره وتسلطه الدائم عليه وقرر أن يتركنا ..
نظرت لأخي وبكل أسى لأنه لا يعرف شيئا ً ..
نظرت إلية نظرة الشفقة على عمرة الذي يمضي دون أن يكترث لذلك ..
أخي وأنا وأمي ضحية أب ٍ لم يقدر نعمة الأسرة ِ والأبناء الذي يتمناه الآخرين، لكن لم يقدر أبي ذلك ولن يقدر أبدا ً ..

بعد سويعات لا أعرف كم كانت عددها ولكنها لم تكن بالقليلة ، يرن ُ جرس الهاتف تجيب أمي عليه، ثم يتغير لون وجهها تركت الهاتف متوجهة لغرفتها لتخرج منها وبيدها عباءتُها وتقول لي لنذهب للمستشفى أباك أصيب بحادث ..
تجمدتُ بل وتبلدت لدي المشاعر وركبت السيارة ووصلنا هناك ، كان أبي فاقدا ً للوعي تماما رأيته وكانت المرة الأولى التي أشعرُ بضعفه وقلة حيلته، ذلك الرجل الذي لم نسمع منه إلا كلمة لا ، هذا ممنوع ، عيب ..
لمحت عينا أمي تبرقان وكأنها تريد البكاء ولكنها تحبسها رغما ً عنها ثم قالت لي بعد صمت ٍ طويل أبلغي أخاك كي يحضر ..
اتصلت علية وبعد محاولات ٍ كثيرة شعرتُ فيها بخيبة أمل أجاب علي ّ وحينما أبلغته بالخبر أغلق الهاتف بوجهي ،وشعرت ُحينها حقا ً بأنه لن يأتي لرجل ٍ أضاع مستقبل َ أبنه مهما كان هذا الرجل أباه ...!
ثم بعد أقل من نصف الساعة رأيت أخي قادما ً من بعيد وعيناه تدمعان لتحضنه أمي وهي المرة الأولى التي أرى فيها أمي تحضن خالدا ًوهو رجل ، ليخرج لنا الطبيب بعد فترة طويلة ليخبرنا بأن أبي أستيقظ ويريد رؤيتنا ...
وفي تلك الغرفة وعلى ذلك السرير الأبيض الذي لن أنسى شكله أبدا كان أبي راقدا ً بها ؛ ذلك الأب الذي لم نشعر بأبوته أبدا ً، الذي تخلى عن واجبه مبكراً وحوله الأجهزة، وعلى يمينه أخي ممسكا ً بيده ، وأمي وأنا على يساره ليقول لنا بصعوبة بالغه كلماتٍ مازلت اذكرها جيدا ً  ...
"خالد ، نوره ، أم ُ خالد  سامحوني فقد قصرت في حقكم كثيرا ً ظلمتكم معي سامحوني أرجوكم .. بُنيّ خالد أعلم أنني كنت سبب في ضياع مستقبلك ولكني الآن لا أريدك أن تكون مثلي أعتن بأمك وأختك فهم في أمس الحاجة لك الآن "

ثم قالت أمي له مازلت بخير لا تقل هذا يا أبا خالد ومن قال أنك قصرت بواجبك أمامنا ، وقال خالد أبي أنا أسف ٌ قد تركت وحيدا ً وقبل يد أبي ..
شعرت للمرة الأولى بحب الأسرة لبعضهم ولأول مرة أشعر بأن أمي تحب أبي رغم كل المشاكل التي كانت تحدث بينهم ، ولأول مرة أشعر بأن أبي يحبنا وأن خالدا ً يحب أبي ..

ولكن هذا الحب قد تأخر ..
تأخر كثيرا ً فقد غادرنا أبي ورحل لجوار ربه ..








كُتبت العام الماضي

هناك 5 تعليقات:

قوس قزح يقول...

قرأت ما كتبتى بتعمن شديد ..
ورحمة الله على والدك ..
فعلاً بعض الأاباء هكذامعاملتهم لاسرهم و زوجاتهم واولادهم قاسية .. و أى قسوة !!
أظن الحادث الأليم أشعر والدك المغفور له بمدى ضعفة .. واسترجع ذاكرته بقوه أمامه و عرف إنه فعلاً كان يطلمكم ..
ما كتبتى شي درامى ثقيل ..
ولكن كانت شعلة الأمل فى عائلتكم هو أنتِ
بسمو تفيرك و رقى أخلاقك ..

تحياتى لك ودمتى بخير و عافية

ابن السور يقول...

كل له مدرسته في التعليم والتربية
بعضها قديمة تعتمد على نهج القسوة
والاخر حديثه وهي التي تعتمد على الاسلوب التربوي النفسي الذي يستمد منهجه اعتمادا على السن والمحيط ..
وربما من الانصاف ان نقول ان المدرسة القديمة هي التي اخرجت لنا كل الحضارات التي نغرف منها اليوم .. وهي التي مهدت لمدارس الحداثة هذا التطور الذي نعيشه

أفراح محمود يقول...

أهلا ً استاذ قوس قزح

اولاً ماكتبته هنا ما هو إلا نسجٌ من الخيال، ربما تكون قد حدثت لأحدهم ولكنها لم تحدث ُ لي ..
واطال الله بعمر ِ والدي وجميع أبائكم ..



شُكرا ً لتواجدك ِ الدائم هنا..


ودي

أفراح محمود يقول...

ابن السور

شُكرا ً لزيارتك َ الآولى ، والتي هي بحق شرف ٌ لي ، ولتعقيبك الرائع ..

أتمنى أن تُكرر الزيارات ..


ودي

Amal Mawil يقول...

يعاني الاسر الصومالية من جفاء وسوء معاملة الاب او غياب الاب عن مسؤولياته والقصة التي طرحتيها اختي العزيزة قريبة الى الواقع نحمد الله انك لن تعاني منها لكن هناك من عانو منها وبشدة تسلسل في احداث قريبة من واقعنا الصومالي ورسالتك لطيفة وصلتنا ويارب تهدي كل اب قلبه متعلق بدنيا فقط اشكرك ع ابداع اختي